خليل الصفدي

248

أعيان العصر وأعوان النصر

الدنيا متخليا ، لا يزاحم الناس في دنياهم ، ولا يسعى مسعاهم ، قد قنع من العيش بالبرص ، وتخيّل أنه قد ملك الأرض ، وكان لا يحدث إلّا من أصوله ، ولا يتكل إلّا على محصوره في محصوله ، وكان جلدا في أشعريته ، مبالغا في الانتصار لعقيدته ، قيل : إنه لم يحدّث حنبليا ، ويرى أنه لو فعل ذلك كان بالدم مليّا ، وبه تخرّج شيخنا الحافظ الذهبي ، ومنه أصبح في علم الرواية وهو غير غبي ، على أن ابن مظفر ما سلم من جرح الذهبي ، ولا طعنه ، وساقه في ركب من جرّحه وظعنه ، ورماه بما اللّه به عليم ، وتحمّل من إثمه ما يثقله « يوم لا ينفع مال ولا بنون إلّا من أتى اللّه بقلب سليم » . وتوفى في العشر الأواسط من شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وسبعمائة . ومولده سنة أربع ، وقيل : سنة خمس وسبعين وستمائة . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - ولم يكن عنده في بيته أحد ، ففقد بعد ثلاثة أيام وأربعة ، ففتح عليه الباب ، ودخلوا إليه فوجدوه ساجدا وهو ميّت . أخبرني نور الدين أبو بكر أحمد بن علي بن المقصوص الحنفي « 1 » ، وكان به خصيصا قال : كان دائما يقول : أشتهي أن أموت ، وأنا ساجد فرزقه اللّه ذلك ، وصلّى عليه بالجامع الأموي في العشر الأواخر من شهر ربيع الأول . وهو سبط الزين خالد الأشعري ، وكان قد سمع من خلق كأبي الفضل بن عساكر ، وزينب بنت مكّي ، وعبد الخالق القاضي ، وسمعت عليه أنا وولدي محمد أبو عبد اللّه جزء ابن عرفة ، والمائة حديث انتزاع ابن عساكر من ثلاثيات أحمد بن حنبل بقراءة مولانا قاضي القضاة تاج الدين بن نصر عبد الوهاب السبكي الشافعي ، وأجازنا رواية ما يجوز له روايته . وكان منجمعا عن الناس ، مجموع ماله في الشهر ما يزيد على العشرين درهما - رحمه اللّه تعالى - . 208 - أحمد بن مكي قبجق « 2 » الأمير شهاب الدين ابن الأمير سيف الدين أحد امراء الطبلخانات بدمشق . كان من فرسان الخيل ، ومن أبطال يزدحمون على المعارك ازدحام السيل ، لم ير على ظهر الفرس أخفّ من حركاته ، ولا أسرع من انتقالاته ، كأنما ركّب من زئبق ، أو وجد ليباري البرق ، وهو على كل حال يفوته ويسبق ، وله أعمال عجيبة على ظهر الفرس إذا

--> ( 1 ) لم أقف له على ترجمة . ( 2 ) لم أقف له على ترجمة .